بقلم: قمـر كيـلاني
هذه العبارة كانت الأولى التي صافحت مسمعي يوم التقيت (محمود درويش) للمرة الأولى في اتحاد الكتّاب العرب بعد منتصف السبعينات، وكان قد خرج من الأرض المحتلة وذاعت قصيدته (سجّل أنا عربي) فقد اختار دمشق الشامخة أول مدينة يحلق فيها شعره، وينضم الينا والى مجموعة من الأدباء والشعراء الفلسطينيين كانوا يشتعلون حماسة في دمشق، ولازالت أسماؤهم محفورة في ذواكرنا وفي قلوبنا وفي تاريخنا العربي. لكن أمري مع محمود درويش كان عجباً.. فقد حدثني مرة الشاعر الفلسطيني الكبير أبو سلمى ـ عبد الكريم الكرمي ـ بأنه تعرف وهو يمر باحدى قرى عكا قبل النزوح في نهاية الأربعينات بطفل يشتعل ذكاءً، ويقول كلاماً كأنه الشعر، فتمنيت لو أن أبا سلمى كان بيننا وتعرف الى الشاعر الذي كان ذاك الطفل، والذي أصبح (محمود درويش).
لقاءاتنا تكررت على المستوى الأدبي، ودعوته كمسؤولة ثقافية في اتحاد الكتّاب العرب الى أمسية شعرية في دمشق على مدرج كلية الهندسة، فما وسعه المدرج، وانتقلت الجماهير الى ملعب رياضي كبير ترددت في جنباته قضية فلسطين عارية كالحقيقة.. نقية كالشمس.. كبيرة بحجم الوطن العربي كله. وأقول إن محمود شهد أكثر من مؤتمر للكتّاب العرب في دمشق الشامخة كما يقول وفي أكثر من عاصمة عربية اخرى وتعرف اليه الشعب العربي كله حتى لقبه بشاعر القضية، وما لبث أن تعرف اليه العالم كله.
كثيرة هي الذكريات الأدبية التي جمعتني بمحمود درويش لكن واحدة منها هي الأرسخ والأكثر عمقاً بين صور الماضي.. فقد كنا نعبر منطقة الأهواز في العراق قاصدين البصرة ومهرجان الشعر.. ودار النقاش بيننا حول القديم من الشعر والحديث فقلت له وأنا أستشعر أنه منذور للموت ما رأيك في قصيدة مالك ابن الريب:
تذكرت من يبكي عليّ فلم أجد سوى السيف والرمح الرديني باكيا
خذاني فجرّاني ببردي اليكما فقد كنت قبل اليــوم صعباً قياديا
فابتسم وسألني: ألست مع الحداثة؟ فقلت: أنا معها إذا كانت تطوراً طبيعياً للشعر بإيقاعه ومضمونه لا بأوزانه وقوافيه. وطال الحديث.. وفهمت أنه مطلع.. وقارئ.. ومستوعب للشعر العربي القديم.. وأنه فجر جديد في حياتنا الأدبية والشعرية.
وها أنا أقول عنك يا محمود إن هذا الفجر يضيء العالم.. وها أنا أودعك أيضاً من دمشق الشامخة كما أسميتها.. وأقول إنك لم تحب مدينة كما أحببت دمشق.. ولم تعط غيرها من المدن من نبضك الراجف أكثر مما أعطيتها.. ولقد تمنيتَ بعد أن عشتَ فيها حقبة من الزمن أن تكون فيها على الزمن.. لكنها أقدارنا وزعتنا في جهات الأرض الأربع.. لتنطلق حناجرنا في قضايانا وأهمها قضية فلسطين.. وما عدنا نلتقي إلا على الورق.. أو من وراء الميكروفونات والشاشات.
وأنا الآن لن أبكيك يا محمود طائر نورس كنت أو في جوف الحوت.. لأن دمشق كلها رددت صدى رحيلك الحزين.. ولأن دمشق وقّعت لك على دواوين ونثرتها بين أيدي أجيالها.. ولأن اسمك سيظل ممهوراً عندها كشاعر شعب.. وشاعر قضية.. بل شاعر تحرر وطني لكل شعب أبي.
لماذا لن أبكيك؟.. لأن عيوننا جفت فيها الدموع.. ولأن أصابعنا احترقت مع وهج الشموع.. شموع الشعارات.. وشموع الكلمات التي لا تضيء لنا الطرقات لأن ما يضيئها هو الوجدان الحر.. والصوت الحر.. ولأننا لن ندع الكلمات تعبرنا بل سنصوغ كلماتنا التي هي الفعل ومواقفنا التي هي الفصل.
كتبها محرر موقع قمر كيلاني في 09:25 مساءً ::
ما شاء الله
مبدعه وقلم مبدع لقد استوقفتنى عذب كلماتك الرائعه
واطربت مسامعى
دمتى بود
احترامى
فارس العرب
ادهم الشرقاوى
الاسم: محرر موقع قمر كيلاني
